ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
 
 
 
 
 
 
 
ViewArticlePage
 
 
 
  • تعريف الثورة  
  • 1433-01-25 15:47:29  
  • CountVisit : 1003   
  • Sendtofriend
  •  
  •  
  • ينبغي وقبل البحث عن مفهوم الثورة الإسلامية الوصول إلى تعريف متفق عليه للثورة (الانقلاب).([1]) لنتعرف وبشكل دقيق على طبيعة الظاهرة التي نبحث عنها، ولكي نصل إلى تعريف عن الثورة نجد أمامنا طريقين، هما:

    1ـ دراسسة النماذج التاريخية الحادثة، استخراج الجامع المشترك فيما بينها، وذلك من خلال مفهوم يشمل جميع النماذج.

    2ـ ذكر تعريف للثورة بشكلها المتعارف وتبيين نماذج مختلفة للثورات في العالم وذلك بغضّ النظر عن معرفة مفهوم الثورة اصطلاحاً.

    ورغم كون الطريقة الثانية أكثر علميةً وعقلانيةً إلاّ أنّ استخدامها في إطار مسائل علم الاجتماع يبدوأمراً غير ممكن، حيث أنّ موضوع هذا العلم هوبحث السلوك العام للإنسانية وهوأمر لايمكن إدراك علاقاته وأسبابه إلاّ بعد فترة طويلة جداً. هذا من جانب.

    ومن جانب آخر فإنّ تعاريف مفهوم الثورة في قاموس العلوم السياسية محدودة, ولذلك سيكون استخدام الطريق الأول أسهل من غيره للتعامل مع هذه المسألة. والنماذج التي يمكن أن نعدّها في هذا الإطار هي: الثورة الفرنسية, الثورة الروسية, الثورة الصينية, الثورة الكوبية, الثورة النيكراغويّة والثورة الإسلامية في إيران.

    وفي هذا الإطار تُذكر بعض النماذج الاُخرى للثورات إلّا أنّها تختلف في الماهية والمضمون مع الثورة، ومن جملة تلك المصاديق ما يلي:

    1ـ في سنة (1999م) اعتقل الجنرالُ برويزُ مشرّف ـ رئيس الأركان العامة في الجيش الباكستاني ـ رئيسَ الوزراء نواز شريف وجملةً من كبار المسؤولين في هذا البلد، وذلك بحجة الفساد المالي, ثم أعلن بعد ذلك الحكومة العسكرية وسيطر على مقاليد الأمور، معلناً نفسه رئيساً تنفيذياً لحكومة باكستان، ثم رئيساً للجمهورية، وذلك بعد أن أخرج الجيش بدبّاباته وآلياته من ثكناته العسكرية إلى الشوارع والأزقّة، وأعلن حالة التأهّب القصوى للقوات المسلحة, فَكُمّت أفواه الشعب وغاصت باكستان في سكوت رهيب. وهذا هوالنموذج المعروف بالانقلاب العسكري. وهذه الظاهرة قد تشابه الثورة، لكنّها في الحقيقة لاتلتقي ومفهوم الثورة أبداً. كما أنّ أدنى تعمّق في مطالعة الحوادث التي تصاحب عملية الانقلاب العسكري يمكنها أن تبيّن التمايز بين هذه الظاهرة والثورة.

    فالإطاحة بنظام الحكم عبر الانقلاب العسكري هونتاج لمجموعة من الحركات التآمرية الخارجة عن إطار النظم والقوانين, وذلك من خلال اقلية عسكرية تتأمر على نظام الحكم دون أن يكون للشعب دور في حدوث هذا التغيير.

    2ـ انطلق الالآف في تظاهرات سلمية في بلغراد عاصمة يوغسلافيا وأبدوا امتعاظهم ومخالفتهم للرئيس ميلوسوفيج، وذلك من خلال رفعهم اللافتات التي تحمل شعارات مخالفة لميلوسوفيج, وتدعوه للتخلّي عن الحكم. هذا في حين كان ميلوسوفيج يقبع في قصره المحصّن في مكان مجهول ممتنعاً عن الظهور أمام الملأ. وأطلق أخيراً آخر حرابه لإسكات الجماهير المعترضة، مؤملاً إيّاهم بانتخابات مبكرة، وجرت الانتخابات بعد فترة زمنية فاز خلالها خصمه كوشتونيسكا.

    ومن خلال مطالعة هذا المثال والذي هومصداق لفوضى ندرك بأنّ ظاهرة الفوضى والطغيان والتمرّد تؤدي إلى حدوث تغييرات جزئية على صعيد النظم السياسية والمؤسسات الرسمية، ولكنّها لاتؤدي إلى انقلاب شامل وتغيير جذري لهذه الأنظمة, ففي الفوضى السياسية فالتغيير بحدّ ذاته يعتبر مهمّاً، لانوعية الأنظمة التي تنوب عن ذلك النظام.

    فالمجتمع الذي لم يقطع الأمل في نظام الحكم بشكل كامل يأمل أن يغيّر الأوضاع التي تحكم المجتمع وبأقلّ الخسائر، وذلك عبر وسائل سمح بها النظام, ويسمّى هذا التغيّر بالتحول الديموقراطيّ، والذي يحدث ضمن إطار النظم الجارية في نظام الحكم ومع الحفاظ عليها.

    فمثلاً قد يطلق على نهضة المشروطة([2]) عبارة الثورة، ولكنّها في الحقيقة نهضة انتخابية لتحكيم النظام الدستوري، الذي حافظ على الملكية القاجارية([3]) وأرضت مظفر الدين شاه([4])، وحولت نظام الهيمنة المطلقة للإمبراطورية الملكية إلى الدستورية الملكية (المشروطة).

    يعد الاستعمار الظاهرة الأسوء في التاريخ المعاصر، فقد عمدت الدول الاُوربية ومن خلال ماتمتلكه من قوة عسكرية وسياسية إلى الهيمنة على بقية الدول في قارة آسيا وأفريقا وأمريكا, ونهبت خيراتها ومصادرها تحت مسمّيات البناء والإعمار، وتحولت تلك الظاهرة إلى نقطة سوداء في تاريخ تلك الدول الاستعمارية في القرون الأخيرة.

    وقد اشتهر القول عن إنجلترا ـ التي وسّعت سيطرتها على الكثير من المناطق ـ  بأنّ الشمس لاتغيب أبداً في حدود مستعماراتها، هذا في حين لم تكن إنجلترا سوى جزيرة صغيرة.

    لقد شهدت العقود الخمسة الثانية من القرن العشرين جملةً من الانتفاضات الشعبية في المناطق المستعمرة ضد سلطة المستعمرين، وقد تمكّنت شعوب هذه المناطق الواحدة تلوالاُخرى من التحرّر من قيود القوى الاستعمارية الاُوربية، فقد تمكّن الشعب الهندي بقيادة غاندي من التحرر من براثن الإستعمار الإنجليزي، كما أنّ ثورة الشعب الجزائري ضد الغزاة الفرنسيين تُُعَدّ نوعاً من تلك الحركات التحررية الهادفة إلى الاستقلال. وتنحصر أهداف هذه الحركات حول نقطة الاستقلال من هيمنة الدول الاستعمارية، لكنّها في نفس الوقت لاتعالج ظاهرة التأثير القيميّ [الاخلاقي] والثقافي الذي يخلّفه الاستعمار. فمن الأنسب أن نطلق على هذه الحركات عند تقسيم التغيّرات السياسية والاجتماعية بالحركات التحررية الاستقلالية، وهذا الاصطلاح أنسب من أن نطلق عليها مصطلح الثورة.

    وفي هذا القسم سنحاول أن نبحث الوجوه المشتركة للثورات في التاريخ، لنصل قدر استطاعتنا إلى جذور مصطلح الثورة.

    رغم وجود الكثير من الاختلاف في تعريف كلمة >الثورة< إلّا أنّ هناك اجماعاً على أنّ الثورة: هي >الحركة الشعبية نحوتغيير عاجل وأساسي للقيم والأفكار المهيمنة على النظم السياسية والنسيج الإجتماعي والقيادي والمناهج والنشاطات الحكومية لمجتمع من المجتمعات، والتي تترافق وأعمال العنف<.

    لذلك فإنّ الباحث في محتوى مفهوم الثورة ينبغي أن يدقّق في جذور ومسار ومنطلق الثورة، والعوامل المحرّكة لهذه التغيّرات أن نجمع تلك الامور في إطار محرك واحد لنصل إلى صورة متكاملة وجامعة لخصائص الثورة.

    بما أنّ الثورة هي ظاهرية سياسية اجتماعية، ولاتختصر في مايبحثه مفكّروالعلوم السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى مفكّري علم الإجتماع، وأنّ أحدى أهمّ ركائز علم الاجتماع ـ العلم الباحث عن خصائص المجتمعات وتقلباتها كما هومعلوم ـ هومعرفة وتحليل السلوك الاجتماعي للانسان، ولذلك يمكن القول: إنّه ما دامت النظرية الفكرية للأفراد وهكذا الذهنية التي يتعاملون بها لم تجد طريقاً للتغيير فإنّ من المؤكد أنّ سلوك هذا الصنف من الناس سوف لايتغيرّ، فما لم يتغير السلوك الاجتماعي للأفراد فلا يمكن أن تجد تغيّراً في المجتمع.

    وبعبارةٍ اُخرى: فإنّ تغيير الفضائل الأخلاقية للمجتمع والقيم السائدة والمعهودة في إطار المجتمع وخصائص الأبطال الاجتماعيين، وبشكل كلّي المفاهيم المسيطرة على جميع المجتمع هي التي تؤدّي إلى بلورة ونشوء مطالب حديثة في أعماق المجتمع.

    ولأنّ قادة المجتمع ومبرمجيه السياسيين يبتعدون عن هذه الآمال والقيم الحديثة فإنّ هذا التضادّ والتعارض أوالاثنينيّة هي التي تؤدّي إلى زعزعة المجتمع وتزلزله.

    ولعلّ البحث في خصائص الأبطال الذين يُمجّدهم المجتمع هوالصيغة الأنجع لإدراك ما يطرأ في المجتمع، ولمعرفة القيم والآمال، وهكذا جهة التغيّرات لهذا المجتمع. ففي كل مجتمع وفي كلّ ظرف نجد هناك معايير يستند عليها الرأي العام للحكم على مختلف الشخصيات.

    إنّ مطالعة المعايير والاُسس التي يُظهر من خلالها بعض الأفراد وجههم الناصع أمام الشعب الشعب في إطار بحوثهم الاجتماعية، ويحصلوا من خلالها على مكانة ما, هي السبيل الأفضل لإدراك ما يعتقده كلّ مجتمع من قيم وأفكار،  وبذلك ستكون التغييرات في هذه المعايير ميزة لتحول القيم والأفكار الداخلية للمجتمع([5]).

    ليس للأفكار أن تؤثّر على اُسس اجتماعية إن لم تتمكّن من أن تتحول إلى قيم محرّكة للجماهير، أوأن تقدم إلى جميع الناس على شكل نظام أيديولوجي (عقائدي) وقع موضع قبول لهؤلاء الناس، ولذلك فأنّ التحول في القيم المهيمنة على المجتمع المؤدي إلى ظهور دوافع جديدة يقلب الثبات وتعادل النظام الاجتماعي اليومي، ليوصل المنظمومة السياسية في المجتمع إلى حافّة التصدّع والانهيار، وفي مثل هذه الحالة يمكن للسلطة والحكومة أن تقوم بإبداء نوعين من ردود الأفعال:

    الأول: الانصياع لمطالب المجتمع، والقيام بجملة إصلاحات في مكوناتها واُسسها، أوإعطاء جملة امتيازات للمعارضة، ومن خلال ذلك تتمكّن من فرض سيطرتها على النظام الاجتماعي، وإعادة الاُمور إلى نصابها الطبيعي([6]).

    الثاني: أن ترفض جميع المطالبات الجديدة, وتستخدم العنف والقوة لإسكات معارضيها.

    وتعتبر الحالة الاُولى نوعاً من أنواع الثورة الخامدة والمسيطر عليها، والتي يعود المجتمع بعدها إلى حياته الطبيعية، في حين تتقدم الحالة الثانية بالمجتمع نحوالثورة وبشكل تدريجي، فيما تساهم السلطة في عملية التحكّم [قمع] بإرداة الجماهير، ومطالبته بزوال مصادر القوة عند هذا النظام, أي أنّ الحكومة تفقد مكانتها لدى الجماهير شيئاً فشيئاً, بحيث يُتراءى للمرء أنّ الناس صاروا لايقبلون مزاعم النظام، ولا يعتمدون على مصادره. بحيث تعتبر الاُمّة أنّ كلّ كلام وتحليل يصدر عن الحكومة لايعد بالنسبة للناس سوى نوعاً من الدَجَل والكذب، ونوعاً من أنواع الاستهزاء بالشعوب، وبذلك يفقد النظام اُسس مشروعيته, أي يفقد الأساس الذي كان يعتمده في إقامة نظام حكمه المهيمن على الجماهير، والمؤدّي إلى اقتداره السياسي لتمتنع الاُمّة من الاعتراف بهذا النظام كنظام سياسي، ولاترى دليلاً لإطاعة القوانين ونظم السلطة، ولذلك فإنّ النظام وفي مثل هذه الحالة سيدخل في إشكال شرعي.

    ونستخلص ممّا مضى أنّ المكونات التالية تلعب دوراً هامّاً في التعريف بالحركة السياسية التي يطلق عليها ثورة:

    1ـ ينبغي أن تنتهي الثورة إلى تغيير في النظام السياسي الحاكم على البلد.

    2ـ حينما تنبثق الثورة ينبغي أن تنقلب النظم والقيم والأفكار المهيمنة على المجتمع. إنّ هاتين المكونتين للثورة في حالة تعامل مع أحدهما الآخر وبشكل من الأشكال, فالتصورات الذهنية والقيميّة للمجتمع تتغيّر, إذ أنّ الحقائق الموجودة لا تؤمّن رضا أكثرية المجتمع، لذلك يبدأ إحساس بالحاجة إلى تغيير في النظام السياسي للحكم.

    هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ هذه الكتلة الشعبية هي التي تبدأ بطرح آمال جديدة، وذلك من خلال ما تغيّره من أفكار وآراء, وتكون الماكنة التي تحرك الثورات بحيث لايمكن أن يعدّ التغيير للنظام السياسي الحاكم دون مشاركة الشعب ثورة وانقلاباً.

    وحينما ينتقل البحث من إطار المكاتب والمحافل العلمية إلى الواقع العملي الذي تعيشه جماهير المجتمع فإن الاُمور والوقائع لاتكون شفّافة إلى هذا الحدّ، فالنظام الحاكم يودّ العمل على استقرار الوضع الموجود ويعمد على أن يدافع عن مشروعيته وحقّانيته، ولذلك سيسعى النظام للاستفادة من كل فرصة للحدّ من اتساع وانتشار الأفكار المخالفة له وقمع القوى المعارضة التي تتحرك لإسقاط نظامه.

    ومن خلال هذه الأوصاف يمكن أن نتوقّع أن يعمد النظام لاستخدام القوة تصاعدياً، وذلك بالتزامن مع مدى قوة المعارضة وتحركاتها واستيعابها للمجتمع، ويتصاعد هذا الأمر في المراحل النهائية للثورات، ضرورة أن تنتهي المعارضة إلى انتهاج عنف شعبي شامل يجوب الشوارع لينقلب المجتمع إلى ساحة صراع بين نظام الحكم والجماهير الثائرة.

    إنّ أزمة الشرعية ومن ثم اصطفاف الشعب مقابل الحكومة سيوصل المجتمع بالضرورة إلى طريق مسدود، ولذلك لايبقى حّل سوى الاصطدام المباشر، ولذلك لا يمكن لهذه الوضعية المتزلزلة أن تدوم لأمدٍ طويل. فعلى المجتمع أن يتجاوز هذه الوضعية الطارئة بشكل سريع، ليعود بعد ذلك إلى حياته العادية، ولهذا فلا بدّ أن تتسرّع وتيرة وقوع الحوادث.

    يعتقد المفكّرون والباحثون في مجال الثورات بأنّ أسباب وعوامل وصول المجتمع إلى الحالة الثورية هوأمر مختلف، ويحتاج إلى بحث وتدقيق، وهنا وفي هذا الإطار ينبغي أن نشير إلى جملة من النظريات في هذا الخصوص.

    ولأجل البحث في نظريات الثورة بشكل واضح نرى وجود مذهبين مختلفين في هذا الإطار:

    أولاً: مذهب التضادّ:

    إنّ من أبرز النظريات في هذه المدرسة هي نظرية ماركس في الثورة، وهذه النظرية هي الأولى التي تبحث التطورات التاريخية في هذا المضمار, وترى بأنّ الثورة ظاهرة لابد منها, وهي أمر مهمّ وتُعدّ العامل الأساسي في تكامل وتطور المجتمع، ولكي نفهم نظرية ماركس في الثورة ينبغي لنا أن نجعل هذه النظرية في إطارها الذي يستوعب علم الاجتماع السياسي، وهذا ما هوخارج عن بحثنا وموضوعنا، لسعته وتفصيله, ولكن ما يمكن الحصول عليه من عصارة هذا البحث هوأنّها تشكّل السبيل للإنتاج, والأساس للمجتمع وتطوراته طريقة الإنتاج يؤدّي إلى ظهور طبقة جديدة، ويكون نتيجتها التضاد بين هذه الطبقة والطبقات الحاكمة، وهومايؤدي في النهاية إلى حدوث الثورة.

    فعلى سبيل المثال فإن تطور طريقة الإنتاج من الزراعة إلى الصناعة سيؤدي إلى ظهور طبقة بيروقراطية، ينتج عنها التضاد والتنازع الحاصل فيما بينها إلى ثورة بيرقراطية وهذا بدوره سينتهي إلى ظهور طبقة عاملة, ثم يظهر في نفس هذا التنازع الحاصل بين الطبقة العاملة والبرجوازية, ثورة اشتراكية، ولذلك فإنّ دعاة مذهب التضاد على اعتقاد بأنّ السكون الاجتماعي هومن الموارد الاستثنائية للمنطق التأريخي لكل مجتمع. هذا في حين يعتبر أساس التكامل والتطور لكل مجتمع مرهون بالثورات التي تقع وفقاً للمنطق المذكور، وأنّ اُسس هذه المنازعة هوالتضاد الطبقي.([7])

    ثانيا: مذهب أصالة الفعل:

    تُشكّل نظريات (إميل دوركيم) أُسس هذا المذهب، فدوركيم كان يعتقد بأنّ المجتمع ليس هوالمجموعة الكمّية من الأشخاص، بل الحقائق الكيفية الفريدة حيث تهيمن فيها التقاليد والسنن الاجتماعية في الحالات العادية على العقل الفردي للأشخاص، وهكذا تقسيم العمل بين الناس والفئات المختلفة, لتصنع بذلك مجتمعاً منظّماً وفريداً تعمل فيه جميع القوى المختلفة، فتؤدي بذلك وضائفها بشكل جيد وصحيح ومتعادل مع بعضها الآخر، لكنّ تقسيم العمل لايؤدي إلى التعاضد إلّا في الأوضاع الطبيعية، فتقسيم العمل بشكل غير طبيعي وعادل يؤدي إلى هيمنة القوى المنفرطة، وسنيتج عن ذلك الفوضى وعدم التوازن ..

    فحينما يعيش مجتمع من المجتمعات أوضاعاً تجعله يعيش متحسراً وحائراً وغضباناً فحينذاك سيقوم هكذا مجتمع بالضغط على أعضائه، وذلك من خلال أداء أفعال ونشاطات ذات مغزىً أومعنىً ما، أومن خلال إبداء حزنها وذهولها أوغضبها، فالمجتمع يقوم بكبح جماحها وجعلها تأنّ وتضرّ بنفسها أوبغيرها, ذلك لأنّ هذه التظاهرات الجماعية وارتباطها الأخلاقي الذي يبيّنه هؤلاء ويقومه.

    كما أنّ أكثر نظريات دوركيم هي في خصوص التحول الاجتماعي أكثر من كونها في مسألة الثورات، خصوصاً وأنّ الموضوع الرئيسي لبحثه هوتأثيرات تحول المجتمع إلى مجتمع صناعي على التعاضد الاجتماعي، لكنّ مجموعة من المفكّرين استفادوا من نموذج البحث الذي طرحه دوركيم وأسسوا مذهب أصالة الفعل.

    وسنبحث هنا أفكار أبرز منظّري مدرسة أَصالة الفعل، وهم:

    1ـ جالمرز جانسون: يعتقد هذا الكاتب بأنّ الثورة هي في الأصل نتيجة لبروز حالة من عدم الانسجام بين المحيط والقيم في نظم المجتمع، كما أنّ انهيار النظام الاجتماعي يكون نتاجاً لأسباب أربعة هي:

    أـ تغيير القيم نتيجة مؤثّر خارجي.

    ب ـ تغيير القيم نتيجة مؤثّر داخلي.

    ج ـ تغيير المحيط من خلال مؤثر خارجي، ومثاله الثورة الصناعية التي أثّرت على مجتمعات مختلفة.

    دـ تغيير المحيط من خلال مؤثر داخلي، ومثاله النموالسكاني أوظهور مجاميع جديدة.

    2ـ ساميئول هانتيجتون: لقد ذكر هانيتجتون في كتابه >التعليم السياسي< في المجتمعات التي تعيش حالة تغير([8]) إطاراً نظرياً لعلل وقوع الثورات، ويرى بأنّ الثورة تحصل في الأساس في مجتمعات تشهد من جانب زيادة مشاركة أوتعبئة سياسية لمجاميع كانت في السابق خارج إطار السياسة، ومن جانب تفتقد هذه المجاميع الوجودات السياسية اللازمة لجذب هذه المشاركة, ونعني بذلك المجتمعات التي حصلت فيها عملية الحداثة السياسية، ولكن لم يؤدّ ذلك إلى تطور سياسي.

    3ـ ماكس ويبر: يؤمن ويبرّر استلهاماً من مفهوم >السنة< التي وردت في نظرية دوركيم ثلاثة مصادر للشروعية والاقتدار السياسي، وهي: التقليد (السنن), القانون (العقلانية), والكاريزما (الشخصيّة).

    فالاقتدار التقليدي هوالأساس للوضعية الاجتماعية المتعادلة، ويمكن لطاقتين مختلفتين أن تزعزعا هذه الوضعية, وهاتان الطاقتان هما: طاقة العقلانية والطاقة الثورية من الدرجة الاُولى بوجه التقاليد، كما أنّ الأغلب كان كذلك.

    فالطاقة العقلانية تبدأ في البداية بتغيير للمحيط الاجتماعي، ثم تقوم بتغيير للمعتقدات [والنظرة الشمولية للعالم] عند الناس، ولكنّ الكاريزما وبخلاف العقلانية التي تبدأ في البداية بتغيير للنظم والمناهج تبدأ في أول الأمر بتغير الحياة الداخلية للفرد. فالكاريزما صفة فردية تمتاز بقوة أوخصائص فوق الطبيعية وفوق الانسانية، أواستثنائية ونادرة على أقل التقادير، وتسخدم هذه الخصائص في شمولية دعوة الناس للالتحاق بالحركة وقيادتها. كما أنّ الاقتدار الكاريزمائي هوأمر خارج عن الاُطر الثابتة وسلسة المراتب الآمرة والناهية، وهكذا الملاحظات العقلانية، وهوبذاته يعتبر إبداعاً وثورة تشبه ثورة الأنبياء ^.

    ويضيف ويبر بأنّ قيادة الكاريزما تظهر في فترات الضغط والأزمات الروحية الطبيعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية و..

    4ـ نظرية الفردية وعلم النفس: تعتقد هذه النظرية بأنّ شرائط انبثاق الحالة الثورية تعود أساساً إلى حالة الفرد أومايتصوره الفرد من تلك الحالة. فموضوع البحث هنا ليس المنافع الطبقية والمجاميع الاجتماعية، ولا تكوينة القدرة الحكومية أوالتعاضدات الاجتماعية، بل هي الوضعية العينية أوالذهنية للفرد.

    وتعتمد الفرضية الرئيسية ـ لا لنظرية الفردية وعلم النفس التي تعتمد فلسفياً على مدرسة اصالة الفعل ـ على أنّ الناس لهم متطلبات واحتياجات أساسية، فإنّ قُمعت هذه الاحتياجات أوفشلت فستؤدّي إلى ظهور شعور بالعنف والإيذاء. ويعدّه العنصر الرئيسي للعنف السياسي والسلوك الثوري. ويؤمن سورويكن بأنّ قمع الغرائز هومايؤدي إلى انبثاق الظاهرة الثورية.

    ويرى توكويل ـ وخلافاً لسورويكن ـ بأنّ تحسّن ظروف الحياة الفردية وارتفاع مستوى المتطلبات هي أحد العوامل الرئيسية لعدم الرضا والانخراط في الميل إلى العبث السياسي، ويعتبر أنّ السبب الرئيسي لحدوث الثورة في فرنسا هوالترف المتزايد الذي كانت تعيشه فرنسا قبل ثورتها. ويقول: ليس من الصحيح القول بأنّ الثورات تقع في زمان تسوء فيه الأوضاع، بل العكس هوالصحيح, فالثورات تحدث في شكلها الطبيعي حينما يحسّ الشعب وبعد حقبة مديدة من جور الحكام وسطوتهم التي استمرت دون أي اعتراض، فها هويتفاجأ بأنّ السلطة قد قررت أن تحدّ من ضغوطها، وفي النتيجة يثور هذا الشعب على تلك الحكومة.

    ولعلّ ألطف النظريات الموجودة في هذا الإطار هي نظرية لادموند برك, حيث يعتقد بأنّ المجتمعات تستند إلى التقاليد والسنن القديمة والممتدة أكثر منها اعتماداً على مبتنيات العقل. فالثورة تحاول أن تزيل هذه التشدد, لكنّها في الحقيقة تضرّ ضرراً بالغاً بهيكيلية المجتمع، فليس باستطاعة الإنسان إلّا أن يوجد تغييراً بسيطاً في كيان المجتمع، كما أن جهود رجال الثورة المتطرّفين ستكون مفجعة حين تبدأ بالعمل على بثّ الوحدة والانسجام بين المجتمع باستخدام الآمال الانتزاعية، فنتاج هكذا مساعي لاتؤدي إلّا إلى انعدام المصارف ورأس المال العام للشعوب والامصار، تلك البضاعة من الحرية والحقوق المتبقية والتقاليد والسنن التي لم تستحصل بشكل اعتباطي, بل كانت نتيجة للتعقل والتجارب التأريخية التي حصلت عليها البشرية، وهي بمثابة ذخيرة الحياة الفردية.

    يقول بيرك: ينبغي أن يُخشى من أن يُناط عمل وحياة كل فرد لرأسماله ولما يمتلكه عقله بشكل خاص فقط، لأنّنا نعتقد بأنّ هذا المدّخر قليل لدى كلّ إنسان، وفي المقابل فالأفضل أن يستفيد الناس من مخزون ورأسمال عقول جميع الأمم والأمصار.

    ومع ملاحظة العوامل والخصائص التي أوردناها في بحثنا، وقراءتنا للاُسس والمرتكزات التي تؤدّي إلى حدوث نجاح أوفشل كل ثورة والتنبّؤ بوقوعها, وكذلك إيجاد مقارنة بين الثورات من خلال سردٍ لآراء المفكرين في مذاهب مختلفة, ينبغي هنا ان نجزّء ونحلّل ثلاث مراحل متمايزة من تكوينة الثورة:

    المرحلة الاُولى: وهي المرحلة التي تكون الظروف والأوضاع فيها مؤاتيةً لتحقّق وحدوث الثورة في مجتمعٍ ما.

    المرحلة الثانية: هي المرحلة التي تكون فيها العوامل لحدوث الثورة مهيّأة وجاهزة.

    المرحلة الثالثة: هي المرحلة التي سيعقبها انتصار أوانكسار الثورة.




    ([1]) استخدمت في النصّ الفارسي عبارة انقلاب، وتعني الثورة المدنية، ولكن كلمة >انقلاب< تطلق عادةً في زماننا على الانقلاب العسكري، ولذلك استخدمنا كلمة >الثورة< بدل انقلاب، هذا في حين يعرّف الكاتب نفس كلمة انقلاب. (المترجم).

    (1)

    (2)

    (3)

    ([5]) فمثلاً كان المجتمع الفرنسي أباّن عصر الملكية يعتبر الارتباط بالعوائل البرجوازية ملاكاً للتفاضل والرقي، في حين بدأ هذا التصور ينقلب شيئاً فشيئاً إلى معايير جديدة، كالمطالعة العلمية والدراسة، والآثار الأكاديمية. إنّ ظهور هكذا معايير لَدليل على نموالأفكار التي تهتمّ بالقيم الفردية للناس، وقد تحولت هذه الأفكار ـ كما عرفنا ـ إلى اُسس أصيلة للشعارات المحورية للثورة الفرنسية، فكانت هذه الشعارات عبارة عن: المساواة والاُخوّة والحرّية.

    ([6]) تُعدّ الثورة البيضاء التي حدثت في العقد الرابع ـ من القرن الرابع عشر من التاريخ الشمسي الإيراني، أي في حدود سنة (1951ـ1961) ـ أحد هذه النماذج للوقوف بوجه الثورات [المختلفة]، فقد كانت برنامجاً للإجابة على المطالبات التي كانت الحكومة تتبنّى قيامها بتحريك المعارضة والثورة ضد النظام الشاهنشاهي (الملكي)، ولذلك قامت باطلاق جملة وعود للإصلاح, ولتعديل وإصلاح نظام الأراضي، وقد كان هذا نوع رشوة كان قد قدمها النظام لتسنح له فرصة البقاء على سدّة الحكم لفترة أطول.

    ([7]) ينبغي أن تحدّد جذور ومفهوم المنازعات الطبقيّة في كتاب (السياسة) لأرسطو، فالكلمة المعادلة للثورة في هذا الكتاب هي stassis، أي بثّ الفتنة، وقد استخدمت في ثلاثة معان:

    أ ـ التغيير اللاشرعي والعنيف في مجموعة السلطة الحاكمة.

    ب ـ تغيير دستور الحكومة.

    ج ـ التغيير في شكل الحكومة أوالنظام.

    ولعلّ نقطة الاختلاف بين نظريّة أرسطووماركس: في أنّ جهاز علم الاجتماع التاريخي لماركس يعتبر الثورة تحوّلاً إجبارياً وقطعياً، وثمرة متناسقة لوقائع يختزنها كل مجتمع، في حين لا يعتقد أرسطوبمثل هذا الرأي.

    ([8]) تعاليم سياسى درجوامع در حال تغيير.

     
    FirstName :
    LastName :
    E-Mail :
     
    OpinionText :
    AvrRate :
    %100
    CountRate :
    1
    Rating :