طبقا لنصوص كثيرة وردت في الكتب المعتبرة للشيعة والسنة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم الإمام علي عليه السلام كخليفة وإمام للمسلمين.
ففي يوم الدار دعا صلى الله عليه وآله وسلم العشيرة فقال: ( إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا )[1].
وفي غدير خم ـ وبحضور الآلاف ـ أخذ صلى الله عليه وآله وسلم يد علي عليه السلام وقال: ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه )[2]. فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
فنصوص من هذا القبيل تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوض لعلي عليه السلام منصبه، ونصَّبه لمقام القيادة والولاية. ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متمثل في كونه الحاكم المطلق وولي أمر المسلمين.
كما أنه قال في غدير خم: ( ألست أولى بكم من أنفسكم )، وبعد أن أقروا قال لهم: ( من كنت مولاه فعلي مولاه ).
وقد أدرك عمر نفس هذا المعنى فقال: ( هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ).
وفي بعض الألفاظ التي ورد فيها حديث الغدير، بينت أن الحاضرين قد بايعوا عليا عليه السلام، وهذا خير دليل على أنه عليه السلام كان قد نصب لمقام الخلافة والولاية، ولم يكن ذلك لبيان أحاكم وقوانين الشريعة فقط، لأن بيان الأحكام لا يحتاج إلى بيعة المسلمين.
وبالرجوع إلى الأحاديث المتقدمة، يحصل اليقين بأن الإمام علي عليه السلام نصب من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمقام الخلافة والولاية والإمامة والقيادة، وكان الحاكم الشرعي المسلمين.
إلا أن بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم استولى بعض الصحابة وبالحيلة والخديعة على الحق المشروع للإمام علي عليه السلام.
ثم إن امتناع الإمام عليه السلام عن البيعة وجميع ما رافق ذلك من الخطب والاحتجاجات والشكاوى، إنما كان لأجل غصب الولاية، وليس لبيان الأحكام. فإن الخلفاء لم يمنعوا الإمام عليه السلام من ذلك، بل على العكس فقد رجعوا إليه في حل المشكلات.
وقد اعترف بذلك عمر نفسه، فكان يقول ـ وفي مواضع كثيرة ـ: ( لولا علي لهلك عمر )[3]. وكان علي عليه السلام يقول: ( الله الله يا معشر المهاجرين، لا تُخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم )[4]. وقد كتب الإمام علي عليه السلام لأخيه: ( فقد قطعت [قريش] رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتي، وحقي في الإسلام، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع )[5].
وكان النزاع ـ في اجتماع السقيفة ـ في أمر الحكومة، وليس في بيان أحكام وقوانين الشريعة. فالنزاع الذي حصل ـ إذن ـ في مسألة من يكون صاحب الأمر وأمير المؤمنين. فلم يقل أحد أنا أحق من الآخرين في بيان الأحكام. وكان تظلم الإمام علي عليه السلام في خطبة الشقشقية وغيرها من هذا الموضوع، وهو أنهم تجاهلوا فضائله، ومنعوه حقه المشروع المتمثل بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد نقل عنه عليه السلام في نهج البلاغة: ( وقال قائل: إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه.. )[6].
فلو لم تكن الخلافة من شؤون الإمامة، لما كان هناك أي مبرر لأي احتجاج صدر من الإمام علي وفاطمة عليهما السلام والصحابة والأنصار.
وحين تولى عليه السلام الخلافة، تولى معها جميع الأمور، من قبيل إصدار أمر الجهاد وتعيين الولاة ونصب القضاة وأمراء الجيوش، وتعيين المأمورين بإيصال أموال الخمس والزكاة، وتنفيذ الحدود والديات، وصرف الأموال في المصارف المعينة لها. قال عليه السلام: ( فو الله ما زلت مدفوعا عـن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم )[7].
ولم يقاتل طلحة والزبير الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل لبيان الأحكام بل معارضة لحكومة الإمام. فقد قال طلحة للإمام علي عليه السلام في معركة الجمل: ( فاعتزل هذا الأمر، ونجعله شورى بين المسلمين )[8].
وكذلك معاوية لم ينازع علياً عليه السلام لبيان الأحكام، بل نازعه على أمر الحكومة التي كان كلاهما قاصداً لها، إلا أن علياً عليه السلام أرادها لغرض تطبيق القوانين الإلهية وإقامة العدل، وأما معاوية فقد كان طالباً للرئاسة وإشباع الرغبات النفسانية. ولما كانت الولاية حقاً مجعولاً من قبل الله تعالى لعلي عليه السلام فهي إذن تليق بشأنه.
وكما استخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام ونصّبه إماماً للناس، فقد قام علي عليه السلام باستخلاف ابنه الحسن عليه السلام، ولقد بايعه شيعة الكوفة على ولاية الأمر والطاعة، وليس ليبين لهم أحكام الشريعة، فبيان الأحكام لا يحتاج للبيعة، ولهذا السبب عارضه معاوية، فلم يكن لمعاوية أي دخل في بيان الأحكام وفي إقامة الصلاة والصوم.
وكذلك الإمام الحسن عليه السلام قبل استشهاده، استخلف أخاه الإمام الحسين عليه السلام للمقام نفسه، والذي ورثه عن أبيه عن جده وحقه المشروع، وإن كان الإمام الحسين ـ بحسب الظاهر ـ لم يصل له، إلا أنه يعلم أنه حقه المشروع، وأن معاوية ويزيد قد غصبا مقامه.
وقد قال الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية في خطبة له: ( ومنعتنا عن آبائنا تراثا )[9].
وقد قال الإمام الحسين عليه السلام للحر وأصحابه: ( أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاءالمدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان )[10].
وبالجملة فكل واحد من الأئمة الأطهار عليهم السلام ـ وعند الوفاة ـ يعين الإمام الذي يليه قائداً وإماماً وينصبه للمقام الإلهي.
فكل واحد من الأئمة عليهم السلام للياقته وصلاحيته الذاتية نُصِّبَ من قبل رب العالمين لمقام الإمامة والولاية، إلا إن أفكار العامة لم تكن بالمستوى الذي يدرك هذا الأصل، فلم تسع جادة لتأسيس الحكومة الحق، ولذلك لم تُقَمْ حكومتهم من الناحية العملية، إلا أنهم ـ أي العامة ـ كانوا على علم بأن الولاية والخلافة حق الأئمة المشروع وأن بني أمية وبني العباس ما هم إلا غاصبون.
عن داود بن فرقد: [ قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ )[11]، فقد آتى الله بني أمية الملك، فقال: ليس حيث يذهب الناس إليه، إن الله آتانا الملك وأخذه بنو أمية، بمنزلة الرجل يكون له الثوب ويأخذه الآخر، فليس هو للذي أخذه ) ][12].
واستناداً إلى هذه الحقيقة تصرفوا بالخمس والزكاة.
ومن كل ما تقدم يتضح أن ولاية وقيادة المعصوم من صميم الدين، وجزء من مشروع الأنبياء والأئمة الإلهي، ولم يكونوا جديرين بالمنصب فقط، بل هو أحد وظائفهم العظيمة.
أي مقام أرفع من أن يتولى زمام أمور الأمة شخص معصوم عارف بالقوانين السماوية، مسدد بالتأييد الغيبي، وبتنفيذ هذه القوانين ينشأ أفضل وأصلح مجتمع.
في عصر الغيبة
تعتبر مسألة ضرورة وجود الحاكم وتأسيس الحكومة، أحد القوانين العقلائية المسلم بها، والتي أطبقت كلمة الأقوام وأهل الملل جميعاً عليها. فليس هناك أي عاقل يشك في استحالة العيش في هرج ومرج.
فلا بد من أن يتولى فرد أو أفراد زمام الأمور ويمنعوا الهرج والمرج والتعدي والتجاوز، ويهيئوا أسباب الرفاه والأمن العام، وذلك بتنفيذ القوانين العادلة.
ولم يهمل الإسلام هذا الأصل العقلائي، بل أيد ضرورته. فنصب الله تعالى النبي واثني عشر إماما صلوات الله تعالى عليهم أجمعين، للقيادة والولاية، وأمر الناس بطاعتهم، وبالسعي في تهيئة الأسباب والظروف لتأسيس وتقوية دولتهم.
إن هذا الأمر على قدر من الأهمية بحيث لا يجوز إهماله وتركه في أي زمان وتحت أي ظرف، حتى في حال عدم إمكان الوصول للقائد المعصوم، أو أن أفكار العامة لم تنضج لدرجة تقبل حكومته، فيبقى هذا القانون العقلائي محكما ومتيناً. وكذلك يحكم العقل: بأن على الناس انتخاب فرد أو أكثر من ذوي الكفاءة والأمانة والخبرة ليولوهم زمام الأمر، وذلك لمنع اختلال النظام ولتنفيذ قوانين الإسلام السياسية والاجتماعية، ولرفع التجاوز والظلم[13]. إن الإسلام بهمة عالية ونظرة ثاقبة قد أعطى مقام الولاية والقيادة قدراً من الأهمية، فعين من يصلح لهذا الأمر، وهو المعصوم ـ أي الفرد الكامل ـ عن كل معصية وخطأ وسهو لإحراز هذا المقام، فلن يرضى بعدم اهتمام الأمة بتعيين مصيرها، وتأسيس الحكومة الصالحة والعادلة، فتقبع تحت نير حكام الظلم والجور.
[1]. الكامل 1 / 586.
[2]. ينابيع المودة 2 / 158.
[3]. ذكروا عن عمر قوله في موارد كثيرة ( لولا علي لهلك عمر )، و( لا أبقاني الله بعدك يا علي )، و( لا أبقاني الله لمعضلة ليس علي فيها ). راجع: ( الصواعق المحرقة لابن حجر / 107ـ فتح الباري في شرح صحيح البخاري 17 / 105ـ مناقب الخوارزمي / 96 و 97 - ح 97 و 98ـ فرائد السمطين 1 / 344 و 345 / ح 266 و 267ـ فيض القدير 4 / 357 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 309ـ علي إمام المتقين لعبد الرحمن الشرقاوي 1 / 100 و 101ـ الرياض النضرة 3 / 163ـ ذخائر العقبى / 81ـ مطالب السؤل / 13ــ الأربعين للفخر الرازي / 466ـ الاستيعاب هامش الإصابة ج / 39ـ تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة / 152 ). وقد أحصى الدكتور التيجاني تلك الموارد عن أبي بكر وعمر وعثمان في كتابه الشيعة هم أهل السنة فراجع هناك... المترجم.
[4]. الإمامة والسياسة 1 / 29.
[5]. الإمامة والسياسة 1 / 75.
[6]. نهج البلاغة 246 / خطبة172.
[7]. نهج البلاغة / 54ـ خ6.
[8]. الإمامة والسياسة 1 / 95.
[9]. الإمامة والسياسة 1 / 209
[10]. الكامل في التاريخ 3 / 408
[11]. ( آل عمران: من الآية26 ).
[12]. روضة الكافي ص222، البحار 23 / 288.
[13]. بقيد عصر الغيبة كما مر في العنوان.. المترجم.