ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
 
 
 
 
 
 
 
ViewArticlePage
 
 
 
  • صفات العرب وخصائصهم  
  • Sendtofriend
  •  
  •  
  •  

    الصفات المتناقضة

    وعند العرب مساوئ لا يُغتفر مثلها لو لم يكن عندهم من الفضائل ما يُشْفَعُ لهم به. ومن هذه الفضائل ان الاعرابي المحارب المتعطّش للنهب والانتقام والذي يفعل عند مَسّ كرامته ما لم تسمع به اذن من ضروب القسوة، مضياف كريم أنيس، والذي يصبح في جواره يعد من افراد اسرته، فلا يستطيع احد بعدئذ ان يعتدي على حياته المقدسة التي يدافع عنها ذلك الاعرابي أكثر من ان يدافع عن نفسه، وان ظهر هذا الغريب من اعدائه الذين تمنّى زوالهم مائة مرّة[1].

    ان الشجاعة الشخصية، والشهامة التي لا حد لها، والكرم الى حد الاسراف، والاخلاص التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقول أو فعل، هذه هي اصول الفضائل عند العرب الوثنيين في الجاهلية[2].

    منطلقات الفضائل عند العرب

    وكما ذكرنا سابقاً فلئن كان التزاحم على الماء والمرعى الذي نشأت عنه معظم اسباب القتال قد قضى ان ينشق سكان البادية قبائل يناوئ بعضها بعضاً، فان الشعور المشترك العرب والمدنيات المجاورة

    عند دراسة الحالة التي كان عليها العرب عل صعيد العلم والفن، يتبادر الى الاذهان سؤال وهو هل أخذ العرب شيئاً من حضارة وثقافة الدول المجاورة أي ايران والروم من خلال ما كانت لهم من علاقات تجارية معها؟ وهل أدّت تلك الوشائج والعلاقات الى ايجاد تحوّل في حياتهم؟

    للاجابة عن هذا السؤال ينبغي التنبيه الى ان أهالي الحجاز كانوا بحكم الموقع الطبيعي والجغرافي الخاص بهذه المنطقة، بعيدين عن سلطة ونفوذ تلك الدول والحكومات، ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد الثقافي أيضاً. وكان تأثر العرب بالمدنيات والثقافات المجاورة متاحاً من خلال ثلاثة طرق، وهي: التجارة، والإمارات التي انشأها الفرس والروم (المناذرة والغساسنة) وأهل الكتاب (اليهود والنصارى).

    ولكن ينبغي ملاحظة مدى ذلك التاثّر. ويبدو ان الآراء التي سجّلها قسم من المؤرخين في هذا المجال، لا تخلو من مبالغة. نذكر على سبيل المثال ان بعضهم كتب في هذا المجال ما يلي:

    وكان من اثر اتصال العرب بالفرس والبيزنطيين أمران: الأول نزول العرب في المدن الفارسية والرومانية للتجارة؛ وكان لذلك اثره في تثقيف عقول العرب الذين شاهدوا الفرق الشاسع بين مدنهم ومدن بلاد فارس والرومان، الأمر الذي نقف عليه في الشعر الجاهلي. وأما الثاني: انهم نقلوا الى العرب كثيراً من الالفاظ والقصص الفارسية والرومية. كما تسرّب عن طريقهم الكثير من اخبار الفرس والروم ومعتقداتهم[3].

    ولكن لابد من الالتفات الى ان أسفار تجار الحجاز الى هاتين الدولتين لم يكن لها تأثير بالغ في ارتقاء الثقافة والتطوّر الفكري عند العرب؛ وذلك لأن هذه المدنيات كانت تتسرّب من مجرى ضيّق، وقد ينال التحريف ما ينقلونه عن غيرهم كالذي نراه في بعض امثال العرب المنقولة عن امثال سليمان، وفي بعض القصص المنقولة عن الفرس والروم. فلم يكن العرب يأخذون ممن حولهم علماً منظماً لأن هناك عوائق كانت تحول دون ذلك منها:

    1ـ الحوائل الطبيعية بين العرب وغيرهم من بحار وجبال وصحراوات.

    2ـ ومنها البعد الكبير بين العرب والفرس والروم من حيث الحالة الاجتماعية والدرجة العقلية. واكثر ما يكون الاقتباس اذا تقاربت العقليّتان.

    3ـ ومنها انتشار الامية بين العرب اذ ذاك، حتى ندر ان تجد فيهم القارئ الكاتب، انما كان المخالطون للفرس والروم ينقلون حكماً أو قصصاً أو امثالاً أو حوادث تاريخية مما يخف حمله على الناقل، ومما يستطيع البدوي ومن في حكمه ان يهضمه. وعلى هذا فقد كان سطحياً ولا يتصف بعمق وغزارة المغزى.

    وبناءً على ذلك يمكن ان نستخلص بأنه كانت هناك علاقات بين العرب وغيرهم من الامم اثرت في حياتهم المادية والأدبية[4].

    وأما بالنسبة الى تأثير اليهود فينبغي القول بأن اليهود لجأوا إلى الحجاز منذ زمن النبي موسى× وما بعده وخصوصاً في القرون الاخيرة قبل الميلاد والاولى بعده فراراً من اضطهاد الحكام الرومانيين ولاسيما بعد خراب بيت المقدس. وكان لهم تأثير مشهود على الوضع الاجتماعي هناك؛ وتعلموا منهم بعض اقاصيص التوراة والتلمود[5].

    هناك ثمّة وثائق تشير الى ان اليهود كانوا في مستوى فكري وديني أرقى من العرب. وحتى بعد ظهور الإسلام كان بعض المسلمين يسألونهم أحياناً عن بعض القضايا الدينية[6]. ولكن بما ان اليهودية قد تعرضت لكثير من التحريف كما هو الحال بالنسبة الى الديانة المسيحية، لذلك فان الافكار التي كان العربي يتلقّاها من اليهود كانت ممسوخة ومشوّشة الى حد بعيد. فتعاليم اليهود لم تكن نافعة وليس فيها حلول مثالية لهم، لا بل كانت تزيدهم ضلالاً.

    ضعف العرب في مقابل الفرس والروم

    كما ذكرنا سابقاً، بما ان أهالي الحجاز كانوا يعيشون متفرقين على شكل قبائل وكانوا اكثر بداوة؛ فلم تكن هناك حكومة تجمعهم وتنظم امورهم، وكانوا على الدوام في حروب وخصومات قبلية فابتلوا بالضعف والهوان، ولم يكن لهم شأن يُذكر بين امم ذلك الزمان.

    كان العرب يومذاك يعيشون اشقياء ضمن دائرة ضيّقة وهي القبيلة والعشيرة، وحياتهم تقتصر على الرعي والخيام، وتستولي عليهم القبلية ويتقاذفهم الحرمان والتشتت. ولم يكن يدور في خلدهم قط شيء خارج جزيرة العرب، ولم تكن تراود ذهنهم فكرة الانتصار على الدول المجاورة، بل بالعكس كانوا يشعرون بالضعف في مقابل الفرس والروم. وقد وصف قتادة ـ وهو رجل من العرب ـ قومه آنذاك بقوله:

    >كان هذا الحي من العرب معكومين على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم<[7].

    ومما يؤيد هذا المعنى هو ان رسول الله كان في سنوات دعوته في مكة يتحاور ذات يوم مع جماعة من وجوه العرب ويدعوهم الى الإسلام ويتلو عليهم آيات من القرآن الكريم مما يشتمل على تعاليم اخلاقية وفطرية، فوقعت موقعها في انفسهم واثرت فيهم حتى ان كل واحد منهم انطلق بالثناء عليها، الا ان كبيرهم، وهو المثنى بن حارثة، قال:

    وانا انّما نزلنا بين صريين، أما احدهما فطفوف البر وارض العرب، واما الآخر فارض فارس وانهار كسرى. وانما نحن نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ان لا نحدث حدثاً، ولا نؤوي محدثاً. ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك: فاما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، واما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول[8].

    مفاخر وهمية

    كتب المؤرخون عن شعور العرب بالضعف ما يلي: وفد حاجب بن زرارة على كسرى لما منع تميم من ريف العراق، فاستأذن عليه، فاوصل اليه فقال له كسرى: انكم معشر العرب غُدُر، فان اذنت لكم افسدتم البلاد واغرتم على العباد، وآذيتموني. قال حاجب: فانّي ضامن للملك ان لا يفعلوا. قال: فمن لي بأن تفي انت؟ قال: ارهنك قوسي (وكانت تعتبر مظهراً للشجاعة والبسالة والفروسية). فقبضها منه كسرى، واذن لهم ان يدخلوا الريف. وبعدما مات حاجب بن زرارة، ارتحل ابنه عطارد بن حاجب الى كسرى يطلب قوس ابيه، فردّها عليه[9]. وبقيت قبيلة تميم تفتخر بهذا العمل سنوات طويلة[10].

    وعلى صعيد آخر لما انتصرت قبيلة بني شيبان بمساعدة العجليين واليشكريين يوم ذي قار على كسرى[11] أحَسّ العرب بالفخر العظيم، ومع انه ليس بشيء ذي خطر، فكل
    امّة قد تتعرض للهزيمة ولكن احسوا بالفخر العظيم كأنّهم ما كانوا يتوقّعون ان يهزموا الفرس. وان العرب لما انتصروا يوم ذي قار، لم يتغنّوا بنصرة العرب على الفرس، انّما تغنوا بنصرة القبائل التي اشتركت في الحرب. وبلغ تفاخرهم بذلك الانتصار درجة جعلت الشاعر ابو تمام
    [12] يقول في مدح ابي دلف العجلي [13]، في مقابل تفاخر تميم برهن حاجب بن زرارة قوسه عند كسرى ووفاء ابنه بالعهد، ما يلي:

     

    اذا افتخرت يوماً تميم بقوسها    

     

    وزادت على ما وطدت من مناقب

     

    فانتم بذي قار أمالت سيوفكم  

     

    عروش الذين استرهنوا قوس حاجب[14]

     



    [1] - الدكتور غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص73؛ وكتب ول ديورانت في هذا المجال ما يلي: <كان البدوي رحيماً وسفاكاً للدماء، كريماً وبخيلاً، غادراً وأميناً، حذراً وشجاعاً، ومهما يكن فقره فانه يواجه العالم بمهابة وأنفة.< (قصّة الحضارة، عصر الايمان، الباب الاول، ترجمة محمد بدران، طبعة دار الفكر، 1408هـ. - 1988م، ج7، ص13). 

    [2] - احمد امين، فجرالاسلام (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، الطبعة 9، 1964م)، ص76.

    [3] - حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام السياسي، ج1، ص34.

    [4] - راجع: فجر الاسلام، ص29.

    [5] - جرجي زيدان، تاريخ التمدن الاسلامي، ج1، ص32 - 33، طبعة دار الهلال.

    [6] - جرجي زيدان، تاريخ التمدن الاسلامي، مع التلخيص.

    [7] - الطبري، جامع‏ البيان في تفسير القرآن (بيروت: دار المعرفة، الطبعة 2، 1392هـ.)، ج4، ص25 (تفسير الآية: وكنتم على شفا حفرة من ‏النار...)؛ زاهية قدّورة، الشعوبية واثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (بيروت: دار الكتاب اللبناني، الطبعة 1، 1972م)، ص34؛ احمد امين، ضحى الاسلام (القاهرة: مكتبة النهضة، الطبعة 7)، ج1، ص18.

    [8] - محمد ابو الفضل ابراهيم (وآخرون)، قصص‏ العرب (بيروت: دار احياء التراث العربى، 1382 هـ.)، ج2، ص358؛ ابن‏ الكثير، البداية والنهاية (بيروت: مكتبة المعارف، الطبعة 2، 1977م)، ج3، ص144.

    [9] - الآلوسي، بلوغ‏ الإرب، ج1، ص313 - 311؛ محمد بن عبد ربه، العقد الفريد (بيروت: دار الكتاب العربى، 1403 هـ.)، ج2، ص20؛ ابن ‏قُتيبة، المعارف، تحقيق: ثروة عكاشة (قم: منشورات الشريف الرضي)، ص608

    [10] - احمد امين، ضحى‏ الاسلام، ج1، ص19.

    [11] - وكان سبب هذه المعركة هي ان كسرى اراد الزواج من بنت النعمان بن المنذر حاكم الحيرة المعين من قبل كسرى. ولكن النعمان أبى ان يزوّجه ابنته، فاستقدمه كسرى إلى عاصمة ملكه وسجنه ومات في السجن. وكان النعمان قد اودع امواله وعياله وبناته قبل المسير إلى كسرى، عند هانئ بن مسعود الشيباني. فأرسل كسرى إلى هاني ان يسلّم إليه اموال وعيال النعمان. ولكن هانئ امتنع من تسليم تلك الأمانة. فجرّد كسرى جيشاً لمحاربة بني شيبان (بطن من بطون بكر بن وائل). وانتهت المعركة بهزيمة جيش كسرى. (ابن الاثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، 1399هـ. ج1، ص485 - 489؛ راجع: المقدسي، البدء والتاريخ (پاريس: 1903م)، ج3، ص26).

    [12] - ابوتمام حبيب بن اوس الطائي.

    [13] - ابو دلف قاسم بن عيسى العجلي.

    [14] - احمد امين، ضحى الاسلام، ج1، ص19؛ المسعودي، التنبيه والأشراف، تحقيق: عبد الله اسماعيل الصاوي (قم: مؤسسة نشر المنابع الثقافية الإسلامية)، ص209؛ جلال الدين الهمائي، الشعوبية (اصفهان: مكتبة صائب، 1363هـ. ش)، ص11 - 12.