من الشبهات التي كانت تلقى إلينا دائما عن الإسلام، هي أن في الدين الاسلامي أحكاما وتكاليفا لا تطاق أبدا، ولأني أعيش في بلد أغلب سكانه من المسلمين، فكنت أرى تلك العبادات والطقوس التي يؤديها المسلمون، تقع في أغلب الأحيان محل للسخرية من قبلنا، وكان السؤال والاشكال الأهم المطروح في هذه المسألة هو ما الغرض من كل هذه التكاليف الشاقة التي جاء بها الإسلام، كالصلاة خمس مرات يوميا والصيام شهرا في السنة، ودفع الزكاة والحج وغيرها من التكاليف؟
وفي اعتقادي فإن هذه الشبهة كانت ناتجة عن عدم فهم حقيقي وواقعي للشريعة، ودورها في تكامل الإنسان وارتقاءه مدارج الكمال المنشود له، ولا سيما من قبل المسيحيين الذين طرحوا الشريعة جانبا واكتفوا بالإيمان وحده سبيلا للنجاة، إذ ليس التكاليف
الإلهية والأحكام الشرعية إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة، ومن خلالها يمكن التمييز بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، بل هي المخرجة لكمالات الإنسان من القوة إلى الفعل ، فنستطيع تشبيه الشريعة والتكاليف الإلهية بالسلم الذي يتمكن من خلاله الإنسان للوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني. وقد أشار إلى هذا المعنى المسيح (عليه السلام) نفسه حسب ما تنقله كتب العهد الجديد ، فينقل لنا مرقس في إنجيله: أن رجل جاء بابنه مريضا به روح نجس إلى تلامذة المسيح (عليه السلام) فلم يقدروا على شفائه وإخراج الروح النجس منه، فلما جاء المسيح (عليه السلام) أخرج ذلك الروح النجس من الولد، فسأله تلاميذه لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه فقال لهم: هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم. أنظر مرقس: 9:
14 - 29 فالمسيح (عليه السلام) يشير إلى أن إخراج الأرواح النجسة وشفاء المرضى تحتاج إلى قوة إيمان عالية وهذا لا يتحصل إلا بالصلاة والصوم.
وعلى هذا تعتبر الشريعة الإلهية والتكاليف العملية التي يأمر بها الدين من أشرف النعم الإلهية التي من بها الله سبحانه على الإنسان.
وكما أشرت سابقا فإن النبي موسى (عليه السلام) أرسل بشريعة تناسب حال ذلك الزمان الذي بعث فيه، والمسيح (عليه السلام) أيضا كما بينا
لم ينقض الناموس والشريعة أبدا، بل أنه جاء متمما لتلك الشريعة، ولكن للأسف فإن الذين جاءوا من بعده هم الذين طرحوا الشريعة واكتفوا بالنواميس الروحية بدلا عن التكاليف الشرعية، ولكن بالرغم من ذلك فما زالت بعض الأحكام الشرعية والطقوس العبادية قائمة في المسيحية كالصلاة مثلا والوصايا الأخلاقية العشرة. وأيضا النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأتي لنقض الشريعة بل أنه جاء متمما ومكملا للشريعة، ولأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والرسل كانت شريعته هي الأخرى أكمل الشرائع وأتمها وهي باقية وخالدة إلى يوم القيامة، وتتضمن قوانين وأحكام ثابتة ومتغيرة تستطيع من خلالها مواكبة متطلبات ومستجدات الحياة في الدنيا وحتى الساعة الموعودة.
ومن خصائص هذه الشريعة السمحاء هي شموليتها لكل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، فلا يخلو فعل من أفعال الإنسان إلا وله حكم معين في هذه الشريعة المقدسة، فهو إما أن يكون واجبا أو حراما أو مستحبا أو مكروها أو مباحا، وتضمن هذه الشريعة للانسان الذي يتمكن من إخضاع كل أفعاله لا حكامها الشرعية من العيش سعيدا في الدنيا والآخرة.
وأيضا الصفة الأخرى المهمة هي عدم مخالفتها لفطرة الإنسان أبدا فليس فيها تكاليف شاقة ولا تطاق كما كنت أعتقد، بل لم يكلف الله فيها نفسا إلا وسعها، وما جعل الله فيها من حرج، وهذا ما لمسته
شخصيا من خلال ممارستي للطقوس العبادية التي أمرت بها، وخضوعي للأحكام العملية التي أقرتها. فهي رفضت الرهبانية والانزواء عن المجتمع، وكذلك نهت عن الانغماس كليا في الحياة الدنيا، بل تعاليمها تعتبر النمط الأوسط بين هذه وتلك.
ويمكن تقسيم الشريعة الإسلامية إلى قسمين:
أولا: جنبة عبادية وطقوس دينية، تعتبر وسيلة لتمرين النفس على التوجه إلى الله، والانقياد إلى طاعته، وتوثيق الرابطة بين العبد ومولاه، واعتقد أنها في هذه الجنبة موافقة مع المسيحية في أن الأعمال العبادية موجبة للقرب من الله العظيم، وهذا ما نجده في حالات المسيح (عليه السلام) من كثرة وشدة العبادة التي نقلتها لنا كتب العهد الجديد، فقد صام أربعين نهارا وأربعين ليلة وصار مع الوحوش في البرية ليجرب ن إبليس (أنظر: متى 4، لوقا: 4، مرقس: 1) وكان يأمر تلاميذه بأن لا يملوا من الصلاة أبدا. (أنظر: لوقا: 18 - 1)، ولكن العبادات التي جاء بها الإسلام تختلف كثيرا عما هو موجود في المسيحية، من حيث الكمية والكيفية، فالصلاة مثلا تلزم الشريعة الإسلامية الإنسان بأدائها خمس مرات يوميا، وبكيفية خاصة فيها قيام وركوع وسجود في حين أن الصلاة في المسيحية تقتصر على بعض الصلوات والقداس الكبير يوم الأحد، وهي كما تعلمتها في الكنيسة وكنت أمارسها، لا سجود فيه ولا ركوع، بل كل ما في
الأمر هي قراءة بعض نصوص من الإنجيل مع تراتيل وأناشيد خاصة ونحن جالسون على المقاعد أو واقفون، وبعد ذلك نذهب لإعلان التوبة والاعتراف.
والذي وجدته شخصيا من خلال ممارستي لكلا الصلاتين هو الفرق الكبير بينهما، ففي الصلاة التي أمر بها الإسلام يشعر الإنسان من خلال ركوعه وسجوده لربه وخالقه العظيم، حالة من الخشوع ونوع من الارتباط والقرب منه سبحانه، في حين لا يشعر الإنسان ذلك في الصلاة الكنيسية، وأعتقد أن الصلاة في المسيحية هي الأخرى قد حرفت، فإن العهد الجديد عندما كان ينقل لنا الصلاة التي كان يؤديها المسيح (عليه السلام) كان يخر على وجهه ساجدا في صلاته كما تذكره الأناجيل في ليلة التسليم (أنظر متى: 26: 39) (ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي) في حين أن صلاتنا الحالية لا أثر للسجود فيها.
ثانيا: الجنبة الاجتماعية والمعاملات بين الناس، فالشريعة في أحكامها هذه تسعى لتنظيم الأمور المعيشية والحياتية في المجتمع بشكل يؤدي إلى نشر العدالة والألفة والمحبة بين أفراده، ومراعاة المصالح العامة التي تؤدي إلى استقرار ونظم المجتمع.
والشئ الملفت للنظر حقا في هذه الأحكام والقوانين أنها جاءت قبل أربعة عشر قرنا، ولكنها إلى يومنا هذا تعتبر من أرقى
القوانين التي توصل إليها العقل البشري في طول هذه المدة، وهذا ما اعترف به الكثير من العلماء في المجالات والعلوم المختلفة، وهذا دليل قوي آخر على أن مصدر هذه الشريعة هو السماء والوحي، إذ أنه من المستحيل أن تكون من فكر وخيال رجل عاش وترعرع في الجزيرة العربية التي كانت غائطة في ظلمات الجهل، والتي كانت تسودها عادات وتقاليد وأحكام يكاد لا يشم منها رائحة الإنسانية.
فلا يبقى شك ولا ريب في أن هذا الرجل كانت له علاقة ورابطة بالسماء، وأنه النبي الخاتم الذي بشر به المسيح (عليه السلام) في الإنجيل.
الخاتمة
إن الذين ذكرته في هذه الأوراق، هو نبذة مختصرة عن رحلتي من المسيحية إلى الإسلام، وما انكشف لي فيها من الحقائق، وقد رمت الاختصار قدر الإمكان في هذا البحث، وكان بودي أن أشير إلى موضوع اعتبره مهما جدا في هذا البحث، وهي المسألة الأخلاقية والروحية، والسلوك العرفاني في الإسلام والمسيحية، والطرق و المسالك التي تبناها الاثنان لوصول الإنسان إلى كماله النهائي وهو القرب من خالقه وربه، وفق النظرية الإلهية. ولكني لإحساسي بأهمية هذه الموضوع، آثرت أن أفرد له بحثا ورسالة مستقلة، أتعرض إليه فيها بشكل مفصل، إنشاء الله تعالى.
وفي الحقيقة فالذي دفعني لكتابة هذا البحث هو احساسي وشعوري بالمسؤولية الإنسانية اتجاه أبناء جلدتي، عسى أن يكون صوتا للحق يقرع أذان قلوبهم فيستفيقوا من نوم الغفلة، فالمشكلة التي
يعيشها أغلب أفراد العائلة البشرية - وللأسف الشديد - هي ابتعادهم عن الهدف الأساس الذي خلقنا من أجله، وصار الهم الشاغل لهم هو الدنيا، والانشغال بزينتها وزخرفها، وأما الدين والمسائل الروحية والحب الإلهي، أصبحت أمورا هامشية عند أغلب الناس أو أنهم غفلوا عنها كليا.
وأيضا فهذه دعوة لإخواني المسيحيين الذين ابتعدوا كثيرا عن التعاليم والعقائد التي جاء بها السيد المسيح (عليه السلام) فهم يتبعونه بالاسم فقط، وأما ما يحملونه من عقائد وتعاليم في الوقت الحاضر فهي مخالفة له كثيرا، فالعقائد التوحيدية التي جاء بها، تحولت إلى عقائد أشبه بالوثنية كالتثليث والبنوة، والشريعة والناموس الذي أكد عليها وأوصى بها مرارا، طرحت أرضا واكتفي بدلا عنها النواميس الروحية والإيمان المجرد.
فهذه دعوة لكل مسيحي حر باحث عن الحق والحقيقية، أن لا يكتفي بقبول ما يلقى إليه من قبل الكنيسة على أنه من الأمور المسلمة واليقينية، بل ليجد في البحث والتحقيق العميق في عقائده وأمور دينه، لأنها مسألة ذات أهمية كبيرة، فإن الحياة الأخروية الأبدية التي نحن مقبلون عليها، سعادتها وشقائها ما هي إلا نتيجة لعقائدنا وأعمالنا في حياتنا الدنيا فالدنيا مزرعة الآخرة فيجب إعطائها اهتماما كثيرا من فكرنا ووقتنا، وهذا أمر عظيم وخطير،
فحري باللبيب أن يجهد نفسه وفكره في انتخاب الطريق الصحيح الذي يوصله إلى السعادة في ذلك العالم. وأخيرا فإن الإنسان الذي يروم اتباع الحق بعد كشفه للحقيقة لا بد أن يواجه مشاكل وصعوبات كثيرة، فقد يحارب من قبل أهله وأقاربه، ويهجره أحبائه وأصدقائه، وقد تضيق عليه سبل العيش، ولكنها كما أعتقد لها طعم ولذة خاصة لأنها في عين الله، ولأجل الله وحبه، وبالتأكيد فإن الله الرب الرحيم سيخلفه بدلا عنها الرضا والقناعة في الدنيا، والسعادة والعيش في جنة النعيم عند مليك مقتدر في الآخرة.
وارتأيت أن يكون مسك الختام لهذا البحث، آيات من الكلام الإلهي الموحى (القرآن) تحكي قصة رجل مؤمن يدعو قومه إلى الحق، والآيات هي:
* (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * ءأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) *
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين