يقول الإمام أمير المؤمنين علي× في توضيح معنى الصراط: «الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلوّ، وارتفع عن التقصير واستقام وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة»([1]).
وهذا التفسير والتوضيح لمعنى الصراط ينطبق تماماً على أهل البيت^، ذلك أنهم^ يتصفون بالاعتدال التام في كل شؤون حياتهم ومسارهم متوازن ومستقيم، وهم بعيدون كل البعد عن الإفراط والتفريط ومن خلال هدايتهم في الدنيا يبلغ المؤمنون غايتهم في دخول الجنة والخلاص من العذاب الأبدي.
المفهوم الحقيقي للصراط المستقيم
هناك مفردات عديدة في القرآن الكريم لا يمكن للعقول أن تدرك معانيها أو تفهم القصد الحقيقي من ورائها، ولهذا يتوجب معرفتها من خلال النبي’ وآله الأطهار، فهم من يفسر القرآن وهم من بين مفاهيمه ومعانيه.
إن مفردة الصراط المستقيم التي ورد استخدامها في القرآن في مناسبات عديدة هي من المفردات الهامّة التي ينبغي أن نفهم مدلولها الحقيقي.
وما نفهمه من مفردة الصراط لا يعدو سوى أن مفادها الطريق، ولكن ما هذا الطريق وأين؟ من أين يبدأ والى أين ينتهي؟ وما هي ملامح هذا الطريق ومعالمه؟ وكيفية سلوكه فهذا ما لا يمكن أن ندركه من خلال مفردة الصراط.
ولهذا وغيره نصب الله عز وجل رسوله’ وآل بيت الرسول^ في مقام تفسير كتابه وآياته وما فيها من مفردات تحتاج إلى تفسير لإدراكها، فالنبي’ مهمته الكبرى هو أن يعلم الناس الكتاب.
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ}([2]).
{فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}([3]).
وقد ورد في كتاب الكافي وفي تفسير القمي والعياشي وفي كثير من الروايات أن أهل الذكر هم أهل البيت^([4]).
أجل أن الله تبارك وتعالى أنزل كتابه في بيت النبوّة وقذف في قلوب آل البيت معانيه المضيئة ومصاديقه وألهمهم تأويله، فأشرق نور القرآن على أفئدتهم وأصبحوا خزّان علم الله وحملة كتاب الله ومفسري آيات الله.
أنظر كيف يشرح الإمام الصادق معنى الصراط في قوله تعالى:
{اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ}: يقول: «أرشدنا إلى الطريق المستقيم أي أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلّغ جنتك والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك»([5]).
فهل بغير أهل البيت وعلومهم يمكن أن يبلغ الإنسان إلى مقام الحب الإلهي وهم أهل المعرفة بالله عز وجل وهم أهل العلم ومن قذف الله في قلوبهم حبّه وحب المؤمنين، فمن أحبهم فهو مؤمن ومن أبغضهم كان من المنافقين.
وهل بغير حصنهم الحصين في ولائهم يمكن درء أخطار الهوى النفساني والرغبات والميول المادّية والأهواء.
وهل يمكن بغير التثقف بثقافتهم والعمل بإرشادهم وبغير شفاعتهم أن ندخل الجنة يوم القيامة.
وهل يمكن معرفة الطريق إلى الله من غير اقتداء بحركة أهل البيت وهم الدليل إلى الله عز وجل؟
وإما ما قيل أنه يمكن ذلك في ظلال القرآن من دون عون من إمام هدى وإن قيل اليوم كما قيل من قبل: >حسبنا كتاب الله<وهي مقولة ظهرت من أجل إقصاء أهل البيت عن أداء دورهم في هداية الناس، فإن ذلك لابد وأن ينتهي إلى الضلال والضياع؛ لأنه من سيقرأ كتاب الله ومن سيفسر كتاب الله وقد قال سبحانه لا يمسه إلا المطهرون، أن السير من غير معالم في الطريق لا يؤدي إلا إلى الضلال ولا يقود إلا إلى الضياع.
ومن هنا فإنه يتوجب القول بكل ثقة أن الصراط المستقيم هو من حيث المعنى هو القرآن الكريم، ومن حيث المصداق هو أهل البيت الكرام^، وهما متلازمان ويفسر أحدهما الآخر، وينصر أحدهما الآخر وإنهما لن يفترقا أبداً.
إن سيرة أهل البيت^ تجسيد واضح لكل المفاهيم القرآنية وما يريده الله سبحانه وتعالى من الإنسان وأن على الإنسان أن يتخذ من أهل البيت^ أسوة وقدوة ويسير على خطاهم؛ لأن مسارهم منطبق على هدي القرآن الذي هو الصراط المستقيم.
إن علوم أهل البيت^ من النبي’ والنبي’ من الوحي وعلى قلب محمد’ نزل القرآن، وقد ورث آل البيت^ من النبي علمه وحكمته.
إن التمسك بهم والسير في هداهم يؤدي إلى والفوز في الدنيا والآخرة ودخول الجنة.
أهل البيت^ الطريق إلى الله
قال الإمام محمد الباقر×:
>نحن الطريق، وصراط الله المستقيم إلى الله تعالى<([6]).
أجل إن أهل البيت هم صراط الله المستقيم ذلك أن معرفتهم بالله معرفة تامّة كاملة وهم يعون جيداً ما يريده الحق تعالى، وهم المفتاح إلى فهم الآيات والمفردات القرآنية التي تحتاج من يفك رموزها ويدرك مراميها ومعانيها.
وبوجودهم يمكن فهم كل ما يطلبه الله وإدراك كلام الله، وبقواهم الروحية المعنوية وهدايتهم وإرشادهم يمكن للإنسان أن يبلغ رضا الله سبحانه ولقاء الحق والوصول إلى مقام القرب الإلهي.
وأن من لا يسلك طريقهم ولا يترسم خطاهم ولا يتحرك في هداهم فإنه يضل الطريق إلى الله مهما كان ومهما بلغ شأنه.
وقد جاء في الأثر هذه الرواية الهامّة عن أحد أصحاب الأمام الصادق قال: سألت أبا عبدالله الصادق× عن الصراط، فقال×: «هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل».
ثم راح الإمام الصادق× يوضح له معنى الصراط قائلاً:«وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ومن عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم»([7]).
وهذا الحديث في غاية الأهمية؛ لأنه يشير بصراحة إلى أن أهل البيت هم الصراط في الدنيا وفي الآخرة ويعني هذا أنهم المرجعية العامّة لكل مسلم ومؤمنين؛ لأنه لا يمكن معرفة الله عز وجل من دون الأخذ عنهم وفهم القرآن في ضوء تفسيرهم وأن الدين كل الدين في خطّهم ومسارهم وسيرتهم، وعلى هذا فإن الطريق إلى المعرفة الحقيقية في كل الأمور التي هي سبب النجاة في الدارين الدنيا والآخرة هو طريق أهل البيت فهم من يقود سفينة الحياة إلى شاطئ الأمان والسعادة، وهم سفينة الإنقاذ من السقوط في ظلمات الهاوية السحيقة